أبي هلال العسكري
7
الصناعتين ، الكتابة والشعر
الاستعمال جعلت تسمية المتكلّم بأنه بليغ كالحقيقة ، كما أنها جعلت تسمية المزادة راوية كالحقيقة ، وكان الراوية حامل المزادة وهو البعير وما يجرى مجراه . ولهذا سمّى حامل الشعر راوية ، وكما صار تسمية البغىّ المكتسبة بالفجور القحبة حقيقة ، وإنما القحاب السّعال . وكانوا إذا أرادوا الكناية عن زنت وتكسّبت بالفجور قالوا : قحبت ، أي سعلت . ومن ذلك النّجو ؛ لأنّ الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة استتر بنجوة ، والنجوة : الارتفاع من الأرض ؛ فسمّى ذلك الشئ نجوا مجازا ، ثم كثر استعمالهم له فصار كالحقيقة وصرّفوه ، فقالوا : ذهب ينجو ، كما يقال : ذهب يتغوّط ، إذا صار إلى الغائط ، وهو البطن من الأرض لقضاء الحاجة ، وسمّوا الشئ الغائط ، وصار كالحقيقة حين كثر استعمالهم له . وقالوا ، إذا غسل ذلك الموضع من النجو : يستنجي ، ومثل هذا كثير ليس هذا موضع استيعابه . الفصاحة فأما الفصاحة فقد قال قوم : إنها من قولهم : أفصح فلان عما في نفسه إذا أظهره ، والشاهد على أنها هي الإظهار قول العرب : أفصح الصبح إذا أضاء . وأفصح اللبن إذا انجلت عنه رغوته فظهر . وفصح أيضا . وأفصح الأعجمىّ إذا أبان بعد أن لم يكن يفصح ويبين ؛ وفصح اللحان إذا عبّر عما في نفسه وأظهره على جهة الصواب دون الخطأ . وإذا كان الأمر على هذا فالفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما ؛ لأنّ كلّ واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له . [ الفرق بين الفصاحة والبلاغة ] وقال بعض علمائنا : الفصاحة تمام آلة البيان ؛ فلهذا لا يجوز أن يسمّى اللّه تعالى فصيحا ؛ إذ كانت الفصاحة تتضمّن معنى الآلة ولا يجوز على اللّه تعالى الوصف بالآلة ؛ ويوصف كلامه بالفصاحة ؛ لما يتضمّن من تمام البيان . والدليل على ذلك أن الألثغ والتمتام لا يسمّيان فصيحين لنقصان آلتهما عن إقامة